يحيي بن حمزة العلوي اليمني

45

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

فَغَشَّاها ما غَشَّى ( 54 ) [ النجم : 53 ، 54 ] فهذه أبلغ من الآية التي قبلها لأن إبهامها أكثر ، فلهذا كان أبلغ وأوقع ، ولهذا فإنه قال في الأولى فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) [ طه : 78 ] واليم هو البحر فصار الذي أصابهم من الألم والتعب إنما هو من البحر ، خاصة لا من غيره ، بخلاف الثانية ، فإنه أبهم فيها الأمر الذي غشيها ، ولم يخصه بجهة دون جهة ، وهذا لا محالة يكون أبلغ ؛ لأن الإنسان يرمى به خاطره فيه كل مرمى ، ويذهب به كل مذهب . ومما يجرى هذا المجرى قوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) [ النجم : 10 - 12 ] فأبهم الأمر في هذه الأمور الثلاثة فيما شرح الله به صدره من العلوم الموحاة ، وأن الفؤاد ما أنكر ما رأى من تلك العجائب الإلهية ، ثم عقبه بالإنكار عليهم في المماراة له في الذي رآه ، وما ذاك إلا لأنه قصد تعظيم حالها ، وأنها بلغت في الفخامة مبلغا لا تدركه العقول ، كأنه قال : أوحى إلى عبده أمرا أي أمر ، واللام في الفؤاد للعهد ؛ لأن المراد هو فؤاد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، كأنه قال : لا ينبغي لمثل ذلك الفؤاد أن يكذب ذلك الأمر ، ولا يصلح في مثل ذلك الأمر أن تقع فيه المماراة بحال . ومما يجرى على هذا الأسلوب قوله تعالى وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا [ طه : 69 ] كأنه قال : ألق هذا الأمر الهائل الذي في يمينك ، فإنه يبطل ما أتوا به من سحرهم العظيم ، وإفكهم الكبير ، وكما يرد على جهة التعظيم كما أشرنا إليه ، فقد يكون واردا على جهة التحقير ، كأنه قال : وألق العويد الصغير الذي في يمينك ، فإنه مبطل على حقارته وصغره ما أتوا به من الكذب المختلق والزور المأفوك ، تهكما بهم ، وإزراء بعقولهم ، وتسفيها لأحلامهم ، ومنه قوله تعالى في المدح فَنِعِمَّا هِيَ [ البقرة : 271 ] فإن هذا إبهام نزل منزلا عظيما في إفادته المدح ، وما ذاك إلا لأجل فخامته في الإبهام ، فلهذا أفاد البلاغة ، ومواقعه في القرآن أكثر من أن تحصى ، ومحاسنه الكبرى أوسع من عديد الحصا ، ومن الأمثلة الواردة في السنة الشريفة قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « عش ما شئت فإنّك ميّت وأحبب من أحببت فإنّك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه » فهذا الإبهام إذا نظر فيه حاذق بصير ، وفكر فيه ألمعى نحرير ، وجده مع ما قد حاز من البلاغة مشتملا على مبان جمة ، ونكت غزيرة ، ومواعظ زاجرة ، على تقارب أطرافه ، وكثرة محاسنه وأوصافه ، وقوله عليه السلام